السبت, 18 صفر, 1427
في زاوية الشارع كان (ناصر) جالساً ينتظر قدوم باقي الشلة لتبدأ سهرتهم المعتادة إلى قبيل الفجر..بين أصابعه شيء ما طرفه مشتعل.. كان هذا الشيء يصعد إلى فمه ثم ينزل بحركة متكررة..ولطول وقت الانتظار فلقد بدأ شريط ذكرياته يعرض في ذهنه ما كان من ماضيه.. * * * * * هاهو يرى نفسه في أول مرة تطأ فيها قدماه هذه المدينة.. عندما كان عمره 13 سنة.. كان نقياً طاهراً بريئاً.. لم يكن يعرف في هذه الدنيا إلا نفسه وأبويه حيث كان وحيدهما.. التحق بالمدرسة المجاورة لمنزلهم.. والتقى هناك بـ(أيمن) ذاك الفتى البشوش.. صاحب الأخلاق الرفيعة.. تعرف عليه وبدأت رحلة صداقة بينها.. في كل يوم يمر (أيمن) على (ناصر) قبيل المدرسة ثم يكملا طريقهما إلى المدرسة معاً.. في الفسحة كانا معاً.. وفي حصص الانتظار معاً.. لم يكونا يفترقان عن بعضهما في المدرسة إلا قليلاً.. وذات يوم أُعلن في المدرسة عن مسابقة في حفظ القرآن.. شارك فيها (أيمن) وحصل على المركز الأول.. (ناصر) كان أشد فرحاً من (أيمن) بفوزه ربما لأنه يحبه كما يحب نفسه.. ومن الطبيعي أن يسأله عن سر تميزه في هذه المسابقة وكان جواب (أيمن): - مما حفظت في الحلقة.. - وما هي الحلقة؟ - جلسة كل عصر لحفظ كتاب الله على أحد حفاظه - وهل استطيع الالتحاق بها؟ - نعم,كل ما عليك أن تأتي معي عصر اليوم - حسناً موعدنا العصر إذن.. كان (ناصر) يحدوه شوق كبير للالتحاق بهذه الحلقة.. وتم له ما أراد وكم كانت سعادته عظيمة بهذا.. وتمضي الأيام و(أيمن) و(ناصر) يتسابقان في حفظ كتاب الله ويتنافسان في ذلك.. كان (ناصر) متميزاً في حفظه مواظباً على الحضور,مما سهل له أن يكون الطالب المثالي في الحلقة..وفي المدرسة كان متفوقاً خلوقاً ما جعله محط إعجاب المدرسين والزملاء.. وتنتهي المرحلة المتوسطة.. وينتقل الصديقان إلى المرحلة الثانوية.. * * * * * رنين جوال متواصل قطع شريط الذكريات لدى (ناصر) انتبه لشروده بعيد رنين الجوال.. تبع ذلك ضحكات متعالية من (فهد) و(ياسر).. - وين يا أبوالشباب خاش جو؟؟ - . . . . - هواجيسك مو طبيعية.. يعقب ياسر: - شكله طايح في الحب!! من هي تعيسة الحظ اللي تحبها؟؟.. - ! ؟ ! ؟ ! ؟ وتبع ذلك انسحاب بصمت من قبل (ناصر) إلى الطريق المؤدي إلى منزلهم.. وسط استغراب (فهد وياسر).. هاهو يدلف إلى منزلهم..ويتجه مباشرة إلى غرفته.. كان يريد أن يستعيد ماتبقى من شريط ذكرياته.. * * * * * في المرحلة الثانوية.. تفرق كلٌ من (ناصر) و(أيمن) فـ(ناصر) ذهب إلى ثانوية علمية وأما (أيمن) فلقد انتقل إلى المعهد العلمي.. ولهذا كان على كل منهما أن يكون صداقات جديدة في محيط مدرسته.. ولهذا أيضاً كان من غير الممكن أن يلتقيا إلا عصراً في الحلقة.. احتار (ناصر) في بداية المرحلة الثانوية فيمن يصادق؟؟ لكن حيرته لم تطل.. إذ أنه كان معه في الفصل (راشد) الشاب الطريف,صاحب الطلة البشوشة.. وسرعان ما امتدت بينهما حبال الصداقة..وكان معه في الفصل أيضاً (حمد) أحد الشباب الذين التقى بهم في المركز الصيفي العطلة الماضية.. وكان (حمد) حريصاً أشد الحرص على أن يقوي علاقته بـ(ناصر).. لكن ناصراً كان ميالاً إلى (راشد) أكثر من ميله لـ(حمد) ربما لطرافة(راشد)وجدية(حمد)..وربما لأمر آخر.. هاهو يرى نفسه عندما امتلك أول سيارة في حياته..أمضى ذلك اليوم كله في الدوران وبين محلات الزينة..حينها ركب معه (راشد وفهد وياسر).. كان (ناصر) لا يزال في مشواره في حفظ القرآن.. إلا أنه قد اعتراه كثرة تخلف عن الحلقة.. وشيئاً فشيئاً ترك الحلقة.. ليشبع نهمه من مجالسة (راشد وشلته).. كان يجلس معهم عصراً فقط.. ومع إلحاحهم عليه.. زارهم مرة في الليل.. وتكرت زيارته إلى أن أصبح غيابه عنها أمر مستغرب.. كانت جلساتهم تمتد إلى منتصف الليل مما آثر سلباً على دراسة(ناصر)..فأتت درجاته على غير عادته.. فلأول مرة ينخفض تقديره إلى أقل من الممتاز بتقديرين.. هاهو يرى نفسه.. وبيده أول سيجارة تدخل فمه.. كانت تلك ليلة صيفية في استراحة من استراحات الشمال.. لم يكن ليمسك بها.. لولا إصرارٌ من (راشد) واستهزاء من باقي الشلة.. * * * * * أفاق من استعراضه لشريط الماضي على أذان الفجر من المسجد القريب.. "أوه ما أطولَ الوقت الذي أمضيته في التفكير" قال ذلك (ناصر) بعدما تناهى إلى سمعه آذان المسجد القريب.. قال في نفسه وهو يحادثها:"لم لا اذهب إلى المسجد" وعلا صوت الشر قائلاً:"لا إنك متعب..ويجب أن ترتاح" ولكن منادي الخير أجاب:"كلها دقائق وتعود إلى الراحة" واستمر الصراع إلى انهزم الشر واندحر.. * * * * * بعد العصر جوال (ناصر) لم يكد يتوقف عن الرنين.. كان المتصل مرة (راشداً) ومرة (فهداً) وأخرى (ياسر).. وفي إحدى المكالمات انقطع الرنين..لأن شخصاً قام بالرد.. وكان الحوار التالي: - ألو - هلا (ناصر).. - نعم - مو جوال (ناصر) هذا.. - بلى - طيب عطني (ناصر) لو سمحت - مين معي؟؟ - معك (راشد) خويه.. - ياأخ (راشد) (ناصر) يطلبك الحل.. توفي اليوم الفجر.. - ................. - وراح يصلى عليه اليوم المغرب.. طووط طوووط طوووط
انتهى أضف تعليقا
اضيف في 24 صفر, 1427 10:01 م , من قبل عـــمـــر من المملكة العربية السعودية ![]() مرحباً بك أخي عابر..
أضف تعليقا <<الصفحة الرئيسية | |
نسئل الله ان يرحمه وان يحسن خاتمتنا وجميع المسلمين